الغزالي
154
إحياء علوم الدين
بيان فوائد الجوع وآفات الشبع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإنّ الأجر في ذلك » ولعلك تقول ، هذا الفضل العظيم للجوع من أين هو ؟ وما سببه ؟ وليس فيه إلا إيلام المعدة ، ومقاساة الأذى . فإن كان كذلك فينبغي أن يعظم الأجر في كل ما يتأذى به الإنسان ، من ضربه لنفسه ، وقطعه للحمه ، وتناوله الأشياء المكروهة ، وما يجرى مجراه . فاعلم أن هذا يضاهي قول من شرب دواء فانتفع به ، وظن أن منفعته لكراهة الدواء ومرارته ، فأخذ يتناول كل ما يكرهه من المذاق ، وهو غلط . بل نفعه في خاصية في الدواء ، وليس لكونه مرا . وإنما يقف على تلك الخاصية الأطباء . فكذلك لا يقف على علة نفع الجوع إلا سماسرة العلماء . ومن جوع نفسه مصدقا لما جاء في الشرع من مدح الجوع ، وانتفع به ، وإن لم يعرف علة المنفعة ، كما أن من شرب الدواء انتفع به ، وإن لم يعلم وجه كونه نافعا . ولكنا نشرح لك ذلك إن أردت أن ترتقي من درجة الإيمان إلى درجة العلم قال الله تعالى * ( يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ) * « 1 » فنقول في الجوع عشر فوائد الفائدة الأولى : صفاء القلب وإيقاد القريحة ، وإنفاذ البصيرة . فإن الشبع يورث البلادة ويعمى القلب ، ويكثر البخار في الدماغ ، شبه السكر ، حتى يحتوي على معادن الفكر ، فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار ، وعن سرعة الإدراك . بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه . وفسد ذهنه ، وصار بطيء الفهم والإدراك . وقال أبو سليمان الداراني ، عليك بالجوع ، فإنه مذلة للنفس ، ورقة للقلب ، وهو يورث العلم السماوي وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « أحيوا قلوبكم بقلَّة الضّحك وقلَّة الشّبع وطهّروها بالجوع تصفو وترقّ » ويقال ، مثل الجوع مثل الرعد ، ومثل القناعة مثل السحاب ، والحكمة
--> « 1 » المجادلة : 11